Republic of Lebanon

كلمة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام في مؤتمر نساء على خطوط المواجهة في فندق فينيسيا

الخط + -
21 تشرين الأول 2026

 

مؤتمر نساء على خطوط المواجهة

 

معالي الوزيرات والوزراء،

أصحاب السعادة،

الدكتورة مي شدياق،

ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة،

الحضور الكريم،

ليس عدلا أن تكون النساء في الصفوف الأولى حين تقع الأزمات، وفي الصفوف الأخيرة حين تتخذ القرارات التي ترسم ما بعدها.

هذا، في رأيي، هو التحدي الذي يضعه أمامنا، عاما بعد عام، مؤتمر «نساء على خطوط المواجهة». فالسؤال ليس إن كانت النساء قادرات على المواجهة. لقد أثبتن ذلك مرات لا تحصى. السؤال هو: هل نفتح أمامهن الطريق من خطوط المواجهة إلى مواقع المسؤولية؟ وهل نغير السياسات والممارسات التي تجعل منهن أول من يتحمل الأعباء، وآخر من يحصل على الفرص؟

أشكر مؤسسة مي شدياق على تنظيم هذا اللقاء، بالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وأحيي جميع الشركاء والمشاركين. وأقدر خصوصا أن محاور المؤتمر لا تحصر النقاش فيما درجنا على تسميته «قضايا المرأة»، بل تضع النساء في قلب القضايا التي تحدد مصير لبنان: إعادة الإعمار، والسلم والسيادة، والنهوض الاقتصادي، والتكنولوجيا، والإعلام.

وهذا هو المكان الطبيعي لهذا النقاش. فحقوق النساء ليست ملفا منفصلا عن مشروع بناء الدولة. إنها أحد المعايير الأساسية التي نعرف بها أي دولة نبني.

أيها الحضور الكريم،

مر لبنان بسنوات أثقلت حياة اللبنانيين جميعا. لكن الأزمات لا توزع كلفتها بالتساوي. فحين تهجر عائلة، كثيرا ما تجد المرأة نفسها مسؤولة عن تأمين الحاجات اليومية، وعن رعاية الأطفال وكبار السن، وعن استمرار الحياة في ظروف فقدت فيها أبسط مقوماتها. وحين تتراجع الخدمات، أو تضيق فرص العمل، تضيق معها خيارات نساء كثيرات، ولا سيما الأكثر فقرا والأقل حماية.

لا أقول هذا لنضيف إلى صورة المرأة صورة جديدة من التضحية والبطولة. لقد بالغنا طويلا في مطالبة الناس بالصمود. ومن واجب الدولة أن تضمن للمرأة ألا تحتاج إلى بطولة يومية كي تؤمن لأطفالها مدرسة، أو لعائلتها رعاية صحية، أو لنفسها عملا كريما أو حماية من العنف.

مثلا، حين نتحدث عن إعادة الإعمار، لا يجوز أن نختزلها في الإسمنت والطرق والجدران. فإعمار الوطن هو أيضا إعادة الأسر إلى بيوتها بأمان وكرامة، وإعادة الأولاد إلى مدارسهم، وإعادة الخدمات إلى القرى، وإيجاد فرص العمل، واستعادة الثقة بأن الدولة لا تترك مواطنيها وحدهم.

فليس من المنطق أن نخطط لمستقبل حياة العائلات من دون أن نصغي إلى من يعرفن تفاصيل تلك الحياة، وإلى احتياجات المجتمعات التي نريد إعادة النهوض بها.

وأريد أن أكون واضحا: الشراكة الدولية أساسية، ونحن نثمن كل دعم صادق للبنان. لكن المسؤولية الأولى تقع علينا جميعا، مجتمعا ودولة. فالشركاء يستطيعون أن يساعدوا، ويبقى علينا أن نحدد الأولويات، وأن نضمن الشفافية والمساءلة، وأن نجعل التعافي فرصة لتصحيح الاختلالات، لا لإعادة إنتاجها.

ومن الإعمار نصل إلى سؤال لا يمكن القفز فوقه: أي تعاف نريد، وكيف نؤمنه؟

فالتعافي لا ينفصل عن الاستقرار، والاستقرار الحقيقي هو أن يشعر الناس بالأمان، وأن يستطيعوا التخطيط للغد من دون خوف. وهذا لا يتحقق من دون أن تبسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد مؤسساتها الدستورية وحدها، وأن تحمي حقوق مواطنيها من دون استثناء.

وفي هذا المسار، لا يجوز أن نختزل دور النساء في معالجة نتائج النزاعات. فليس كافيا أن تسمع أصوات النساء بعد وقوع الضرر. ينبغي أن تسمع قبل اتخاذ القرار الذي قد يمنع الضرر أصلا.

السيدات والسادة،

صحيح أنه لا تعافي وطنيا من دون تعاف اقتصادي. ولكن لا اقتصاد يستعيد عافيته فعلا فيما تهدر طاقات نصف المجتمع.

لدينا نساء مؤهلات، رائدات أعمال، عاملات، ومبدعات. لكن الموهبة وحدها لا تكفي حين تعترضها حواجز في الوصول إلى فرص العمل، أو التمويل أو المواقع القيادية. وعندما تبقى أعباء الرعاية الأسرية موزعة بصورة غير عادلة، تصبح الفرص المتساوية مجرد شعار.

نحتاج إلى اقتصاد يجعل مشاركة النساء خيارا فعليا: فرص عمل حقيقية، وحماية من التمييز والتحرش، وخدمات تساعد الأسر على التوفيق بين العمل والرعاية، ووصولا أكثر عدلا إلى التدريب والتمويل والتكنولوجيا.

فنحن لا نريد أن نكتفي بالتصفيق لامرأة نجحت رغم كل العوائق. بل نريد إزالة العوائق حتى لا يبقى نجاح المرأة استثناء يحتفى به.

وإذا انتقلنا إلى العالم الرقمي، وجدنا أن السؤال نفسه يعود في شكل جديد: من يملك الفرصة، ومن يتحمل المخاطر؟

الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقا واسعة في التعليم والعمل والطب والخدمات العامة وغيرها. لكنه قد يعمق أيضا أوجه التفاوت والتحيز، وقد يعرض الناس، ولا سيما النساء والفتيات والأولاد، لأشكال جديدة من الأذى وانتهاك الخصوصية. ولا يمكن أن نترك قواعد هذا العالم تتشكل وحدها، أو أن نقبل بأن تقدم لنا التكنولوجيا وكأنها محايدة بحكم تعريفها.

مستقبلنا الرقمي لا يقاس فقط بزيادة عدد من يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي، بل بالمشاركة في تطويرها، والتأثير في القواعد التي تنظمها. نريد للفتيات أن يكن شريكات في هذا المستقبل، لا مجرد مستخدمات له.

وهنا أيضا تبرز مسؤولية الإعلام. ففي زمن يستطيع فيه خبر كاذب أن ينتشر أسرع من تصحيحه، يصبح الدفاع عن الحقيقة جزءا من الدفاع عن المجتمع. والتضليل لا يهدد سمعة أشخاص فحسب؛ إنه يقوض الثقة العامة، ويشوه النقاش، وقد يحرض على الكراهية والعنف. والنساء، ولا سيما اللواتي يخضن الحياة العامة، يتعرضن في كثير من الأحيان لحملات تستهدف ترهيبهن لا مناقشة أفكارهن.

والجواب ليس بتقييد حرية التعبير، بل بالمحاسبة على التحريض ومكافحة خطاب التمييز والكراهية. إن مجتمعا يعجز فيه الناس عن التمييز بين الحقيقة والتلفيق، يصعب فيه اتخاذ قرارات حرة.

أيها الحضور الكريم،

من السهل أن نتفق اليوم على أن مشاركة النساء ضرورة. لكن الأصعب هو أن نترجم هذا الاتفاق إلى واقع ملموس. فالمساواة لا تتحقق بخطابات أو شعارات، ولا بصور تجمع النساء حول طاولة، بل بقوانين عادلة، ومؤسسات تنفذها، وفرص حقيقية للمشاركة في صنع السياسات، في الإدارة العامة، والاقتصاد، والقضاء، والحياة السياسية.

فحين تصبح الدولة أكثر عدلا للنساء، تصبح أكثر عدلا للمجتمع كله. وحين تتسع دائرة المشاركة، تتسع معها قدرة البلاد على ابتكار الحلول الناجحة.

باختصار، نحتاج إلى شراكة فعلية بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والجامعات والشركاء الدوليين.

في الختام، أقول:

لا أريد أن نظل نصفق للنساء لأنهن يحتملن ما لا ينبغي لأحد أن يحتمله. أريد أن نبني بلدا يضمن لهن، وللجميع، حقوقا لا تحتاج إلى بطولة للدفاع عنها.

ليس المطلوب أن تبقى النساء على خطوط المواجهة إلى الأبد. المطلوب أن تصبح الدولة نفسها خط الدفاع الأول عن كرامة الناس وأمنهم وحقوقهم.

هذا هو معنى النهوض الذي نعمل من أجله. وهذا هو لبنان الذي يستحقه جميع أبنائه وبناته.

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة ©      ملاحظة قانونية  |   إتصل بنا  |  خريطة الموقع
تم انجاز هذا الموقع بالتعاون مع مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الادارية